ابن عربي
125
فصوص الحكم
تشير العبارة المذكورة إلى قوله تعالى : « يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » ( س 24 آية 24 ) . ويجمع معظم شرّاح الفصوص على أن المؤلف يشير هنا إلى نوعين من الحياة : الحياة الفائضة من الحق مباشرة على جميع الممكنات ما وصف منها عادة بالحياة وما لم يوصف ، والحياة المتعينة في كل كائن على حدة وهي نفسه التي تدبر بدنه وتبدو أنها تختفي بفناء البدن . وهذه الأخيرة متصلة بالبدن مفتقرة إليه في تدبيرها له ، وتفنى - من حيث هي مدبّرة له - بفنائه . ولكن الأولى لا تفنى أبداً ولا تنقطع لأنها سارية في جميع الموجودات ، موجودة حيثما توجد ذات الحق . فالذي أفنته الريح من قوم عاد إنما هو حياتهم أو نفوسهم المدبرة لأجسامهم ، ولكنهم بقوا بالحياة الأخرى الخاصة بهم الناشئة من تجلي الحق سبحانه عليهم بالاسم الحي الساري في كل شيء . وهذا معنى قوله : « وبقيت على هياكلهم الحياة الخاصة بهم من الحق » . وهذه الحياة الخاصة هي التي تنطق بها الجلود والأيدي والأرجل إلخ . . يوم القيامة . أما إذا اعتبرنا هلاك قوم عاد بالريح التي أرسلها الله عليهم رمزاً لفناء الإنسان في الله وتحققه بوحدته الذاتية معه ، وإشارة إلى زوال ما يتخيل العبد أنه حجاب حقيقي بينه وبين ربه ، فإن « مساكنهم » الواردة في قوله تعالى : « فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ » تصبح أيضاً رمزاً على الصورة الانسانية وما فيها من جسم وروح لا وجود لهما في ذاتهما . فلما زالوا من الوجود بقي الحق الذي هو عينهم . وكذلك العارف إذا فني بصورته - أي إذا تحقق أنه لا وجود له في ذاته - بقي بالحق . ( 9 ) « ومن غيرته « حرم الفواحش » : وليس الفحش إلا ما ظهر ، وأما فحش ما بطن فهو لمن ظهر له » . يصف الصوفية الله سبحانه بالغيرة على أنحاء شتى : فيرى بعضهم أنه غيور